الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

16

نفحات القرآن

وأخيراً ففي الآية العاشرة والأخيرة وعَدَ اللَّه عزّ وجلّ جاحدي المعاد بالخلود في النار وهَدَّدهم بالعذاب الدائم . قال تعالى بعد أن وجّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله : « وانْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ءَإِذَا كُنَّا تُرَاباً ءَإنَّا لَفِى حَلْقٍ جَدِيدٍ » . ثم يضيف إلى ذلك : « أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْاغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ » . الحديث في بداية الآية عن تعجّب الكفّار ، ثم يَعِدُّ هذا التعجب من غرائب الأمور ، أي هل هناك عجبٌ من هذا الأمر الواضح المُعزز بِكل هذه الأدلة ؟ ويصورهم في نهاية الآية بصورة السجناء المكبَّلين بالأغلال والسلاسل في أعناقهم ، وأي أغلال وأي سلاسل أكثر تقييداً من التعصب والجهل والهوى الذي يسلبهم كل أنواع حرية التفكّر إلى حدٍ تصبح فيه المسألة الواضحة كل الوضوح مدعاة لَعَجبِهم ، وذلك لأنّها لا توافق هواهم وتقليدهم الأعمى . فيجب الالتفات إلى أنّ ظاهر الآية هو التقييد بالأغلال والسلاسل في الوقت الحاضر لا بعد ذلك في يوم القيامة ، كما جاء في الشعر العربي : لَهُمْ عن الرُّشدِ أغلالٌ وأقيادُ ، ولكن بعض المفسرين يرى أنّ الآية تشير إلى حالهم يوم القيامة ويعتقد بأنّ الأغلال والسلاسل ستوضع على أعناقهم في ذلك اليوم « 1 » ، وذكر البعض الآخر كلا الاحتمالين « 2 » ولكنَّ عدداً من المفسرين يعتقد بأنّ الآية تشير إلى حالهم في الدنيا ، كما صرح بذلك المرحوم العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان فإنّه قال : « وَأُولَئِكَ الْأَغلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ » إشارة إلى اللازم الثاني وهو الاخلاد إلى الأرض والركون إلى الهوى والتقيد بقيود الجهل وأغلال الجحد والإنكار « 3 » . ومن الواضح أنّ قيوداً وأغلالًا من هذا القبيل والتي يضعُها الإنسان في يديه ورجليه

--> ( 1 ) تفسير مجمع البيان ذيل الآية 5 من سورة الرعد ؛ وتفسير القرطبي ، ج 5 ، ص 3513 . ( 2 ) تفسير الكبير ، ج 19 ، ص 9 . ( 3 ) تفسير الميزان ، ج 11 ، ص 300 .